مخرجات التدبر
"إنّنا مطالبون أن نبدأ كل عمل بسم الله، لأنّنا لابد أن نحترم عطاء الله في كونه. فحين نزرع الأرض مثلًا، لابد أن نبدأ (بسم الله) لأنّنا لم نخلق الأرض التي نحرثها، ولا خلقنا البذرة التي نبذرها، ولا أنزلنا الماء من السماء لينمو الزرع. إنّ الفلاّح الذي يمسك الفأس ويرمي البذرة قد يكون أجهل النّاس بعناصر الأرض ومحتويات البذرة وما يفعله الماء في التربة لينمو الزرع. إنّ كل ما يفعله الإنسان هو أنّه يعمل فكره المخلوق من الله في المادة المخلوقة من الله، بالطاقة التي أوجدها الله في أجسادنا ليتم الزرع.
والإنسان لا قدرة له على إرغام الأرض لتعطيه الثمار، ولا قدرة له على خلق الحبة لتنمو وتصبح شجرة، ولا سلطان له على إنزال الماء من السماء، فكأنّه حين يبدأ العمل (بسم الله) يبدأه (بسم الله) الذي سخر له الأرض، وسخر له الحَبّ، وسخر له الماء، وكلّها لا قدرة له عليها، ولا تدخل في طاقته ولا في استطاعته، فكأنّه يعلن أنّه يدخل على هذه الأشياء جميعًا باسم من سخرها له.
والله -تبارك وتعالى- سخر لنا الكون جميعًا وأعطانا الدليل على ذلك. فلا تعتقد أنّ لك قدرة أو ذاتية في هذا الكون، ولا تعتقد أنّ الأسباب والقوانين في الكون لها ذاتية، بل هي تعمل بقدرة خالقها، الذي إن شاء أجراها وإن شاء أوقفها. الجمل الضخم والفيل الهائل المستأنس قد يقودهما طفل صغير فيطيعانه، ولكن الحيّة صغيرة الحجم لا يقوى أي إنسان على أن يستأنسها. ولو كنّا نفعل ذلك بقدراتنا، لكان استئناس الحيّة أو الثعبان سهلًا لصغر حجمهما، ولكنّ الله -سبحانه وتعالى- أراد أن يجعلهما مثلًا لنعلم أنّه بقدراته هو قد أخضع لنا ما شاء، ولم يخضع لنا ما شاء، ولذلك يقول الحق -تبارك وتعالى: (أولم يروا أنّا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعامًا فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون" (يس: 72) وهكذا نعرف أن خضوع هذه الأنعام لنا هو بتسخير الله لها وليس بقدرتنا. .
يأتي الله -سبحانه وتعالى- إلى أرض ينزل عليها المطر بغزارة، والعلماء يقولون إن هذا يحدث بقوانين الكون، فيلفتنا الله -تبارك وتعالى- إلى خطأ هذا الكلام بأنْ تأتي مواسم جفاف لا تسقط فيها حبة مطر واحدة لنعلم أنّ المطر لا يسقط بقوانين الكون ولكن بإرادة خالق الكون، فإذا كانت القوانين وحدها تعمل فمن الذي عطلها؟ ولكن إرادة الخالق فوق القوانين، إن شاءت جعلتها تعمل، وإن شاءت جعلتها لا تعمل. إذن: فكل شيء في الكون بسم الله، هو الذي سخر وأعطى، وهو الذي يمنح ويمنع، حتى في الأمور التي للإنسان فيها نوع من الاختيار.
فإذا كنت تريد عطاء الدنيا والآخرة ، فأقبل على كل عمل باسم الله، قبل أن تأكل قل: (باسم الله) لأنّه هو الذي خلق لك هذا الطعام ورزقك به".
(تفسير الشعراوي)
"هل يُراد للبسملة أن تكون كلمةً قرآنيةً يردّدها المؤمنون في قراءتهم وفي ذكرهم التقليدي للّه، ثُمَّ لا شيء غير ذلك؟! أم أنَّ هناك شيئًا أعمق من ذلك؟ ربما نحتاج إلى الدخول في رحاب القرآن لنستعرض الآيات الكثيرة التي تؤكد على مسألة ذكر اللّه في داخل حركة الزمن: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الإنسان: 25] ليكون اسم اللّه هو ما يبدأ الإنسان به ويختم، كإيحاء بالشعور العميق بالزمن الذي ينفتح على اللّه، لينفتح الإنسان من خلاله على حركة المسؤولية في حياته. كما يؤكد عليها في الحالة الداخلية كوسيلةٍ من وسائل التفاعل مع المضمون الحيّ لاسم اللّه، في سبيل تعبئة النّاحية الشعورية بالتضرع إلى اللّه من خلال الحاجة إليه وإلى رضوانه، وبالخوف منه من خلال التخلص من عقابه، وذلك من أجل إيجاد الوعي الروحي الذي يعيش فيه الإنسان الحضور الإلهيّ في شخصيته، فلا يكون غافلًا عنه. (واذكُر ربَّك في نَفسِكَ تضَرُّعاً وخِيفَةً ودون الجهرِ من القول بالغدو والأصال ولا تكُن من الغافلين) [الأعراف: 205]. وقال تعالى: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) [المزمل: 8]. وهكذا أراد اللّه أن نذكره في مقام التسبيح باسمه، وفي مقام الانفتاح على التزكية، وعلى الصلاة. (سَبِّح اسم ربِّك الأعلى) [الأعلى: 1]. (قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكَّى * وَذَكَر اسم ربِّه فَصَلَّى) [الأعلى: 14-15]. كما أرادنا أن نذكره عندما نبدأ القراءة، لتكون القراءة باسمه (اقرأ باسمِ ربِّك الذي خَلَقَ) [العلق: 1]. وقد ورد التّأكيد على أنَّ الحيوان لا يحلّ ذبحه إلاَّ إذا ذكر اسم اللّه عليه (ولا تأكُلُوا مما لم يُذكر اسمُ اللّهِ عليهِ وإنَّه لفسقٌ) [الأنعام: 121]. (فكُلُوا مما ذُكر اسم اللّه عليه إن كُنتُم بآياته مؤمنين) [الأنعام: 118]. وهكذا تتنوّع الآيات التي تتحدّث عن ذكر اللّه وعن الذاكرين للّه، في ما يمثّله ذلك من قيمةٍ روحيةٍ كبيرةٍ تتصل بالمستوى الإيماني للإنسان المسلم، وبالدرجة الرفيعة التي يحصل عليها عند اللّه -سبحانه وتعالى".
(من وحي القرآن لحسين فضل الله)
"إنّنا مطالبون أن نبدأ كل عمل بسم الله، لأنّنا لابد أن نحترم عطاء الله في كونه. فحين نزرع الأرض مثلًا، لابد أن نبدأ (بسم الله) لأنّنا لم نخلق الأرض التي نحرثها، ولا خلقنا البذرة التي نبذرها، ولا أنزلنا الماء من السماء لينمو الزرع. إنّ الفلاّح الذي يمسك الفأس ويرمي البذرة قد يكون أجهل النّاس بعناصر الأرض ومحتويات البذرة وما يفعله الماء في التربة لينمو الزرع. إنّ كل ما يفعله الإنسان هو أنّه يعمل فكره المخلوق من الله في المادة المخلوقة من الله، بالطاقة التي أوجدها الله في أجسادنا ليتم الزرع.
والإنسان لا قدرة له على إرغام الأرض لتعطيه الثمار، ولا قدرة له على خلق الحبة لتنمو وتصبح شجرة، ولا سلطان له على إنزال الماء من السماء، فكأنّه حين يبدأ العمل (بسم الله) يبدأه (بسم الله) الذي سخر له الأرض، وسخر له الحَبّ، وسخر له الماء، وكلّها لا قدرة له عليها، ولا تدخل في طاقته ولا في استطاعته، فكأنّه يعلن أنّه يدخل على هذه الأشياء جميعًا باسم من سخرها له.
والله -تبارك وتعالى- سخر لنا الكون جميعًا وأعطانا الدليل على ذلك. فلا تعتقد أنّ لك قدرة أو ذاتية في هذا الكون، ولا تعتقد أنّ الأسباب والقوانين في الكون لها ذاتية، بل هي تعمل بقدرة خالقها، الذي إن شاء أجراها وإن شاء أوقفها. الجمل الضخم والفيل الهائل المستأنس قد يقودهما طفل صغير فيطيعانه، ولكن الحيّة صغيرة الحجم لا يقوى أي إنسان على أن يستأنسها. ولو كنّا نفعل ذلك بقدراتنا، لكان استئناس الحيّة أو الثعبان سهلًا لصغر حجمهما، ولكنّ الله -سبحانه وتعالى- أراد أن يجعلهما مثلًا لنعلم أنّه بقدراته هو قد أخضع لنا ما شاء، ولم يخضع لنا ما شاء، ولذلك يقول الحق -تبارك وتعالى: (أولم يروا أنّا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعامًا فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون" (يس: 72) وهكذا نعرف أن خضوع هذه الأنعام لنا هو بتسخير الله لها وليس بقدرتنا. .
يأتي الله -سبحانه وتعالى- إلى أرض ينزل عليها المطر بغزارة، والعلماء يقولون إن هذا يحدث بقوانين الكون، فيلفتنا الله -تبارك وتعالى- إلى خطأ هذا الكلام بأنْ تأتي مواسم جفاف لا تسقط فيها حبة مطر واحدة لنعلم أنّ المطر لا يسقط بقوانين الكون ولكن بإرادة خالق الكون، فإذا كانت القوانين وحدها تعمل فمن الذي عطلها؟ ولكن إرادة الخالق فوق القوانين، إن شاءت جعلتها تعمل، وإن شاءت جعلتها لا تعمل. إذن: فكل شيء في الكون بسم الله، هو الذي سخر وأعطى، وهو الذي يمنح ويمنع، حتى في الأمور التي للإنسان فيها نوع من الاختيار.
فإذا كنت تريد عطاء الدنيا والآخرة ، فأقبل على كل عمل باسم الله، قبل أن تأكل قل: (باسم الله) لأنّه هو الذي خلق لك هذا الطعام ورزقك به".
(تفسير الشعراوي)
"هل يُراد للبسملة أن تكون كلمةً قرآنيةً يردّدها المؤمنون في قراءتهم وفي ذكرهم التقليدي للّه، ثُمَّ لا شيء غير ذلك؟! أم أنَّ هناك شيئًا أعمق من ذلك؟ ربما نحتاج إلى الدخول في رحاب القرآن لنستعرض الآيات الكثيرة التي تؤكد على مسألة ذكر اللّه في داخل حركة الزمن: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الإنسان: 25] ليكون اسم اللّه هو ما يبدأ الإنسان به ويختم، كإيحاء بالشعور العميق بالزمن الذي ينفتح على اللّه، لينفتح الإنسان من خلاله على حركة المسؤولية في حياته. كما يؤكد عليها في الحالة الداخلية كوسيلةٍ من وسائل التفاعل مع المضمون الحيّ لاسم اللّه، في سبيل تعبئة النّاحية الشعورية بالتضرع إلى اللّه من خلال الحاجة إليه وإلى رضوانه، وبالخوف منه من خلال التخلص من عقابه، وذلك من أجل إيجاد الوعي الروحي الذي يعيش فيه الإنسان الحضور الإلهيّ في شخصيته، فلا يكون غافلًا عنه. (واذكُر ربَّك في نَفسِكَ تضَرُّعاً وخِيفَةً ودون الجهرِ من القول بالغدو والأصال ولا تكُن من الغافلين) [الأعراف: 205]. وقال تعالى: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) [المزمل: 8]. وهكذا أراد اللّه أن نذكره في مقام التسبيح باسمه، وفي مقام الانفتاح على التزكية، وعلى الصلاة. (سَبِّح اسم ربِّك الأعلى) [الأعلى: 1]. (قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكَّى * وَذَكَر اسم ربِّه فَصَلَّى) [الأعلى: 14-15]. كما أرادنا أن نذكره عندما نبدأ القراءة، لتكون القراءة باسمه (اقرأ باسمِ ربِّك الذي خَلَقَ) [العلق: 1]. وقد ورد التّأكيد على أنَّ الحيوان لا يحلّ ذبحه إلاَّ إذا ذكر اسم اللّه عليه (ولا تأكُلُوا مما لم يُذكر اسمُ اللّهِ عليهِ وإنَّه لفسقٌ) [الأنعام: 121]. (فكُلُوا مما ذُكر اسم اللّه عليه إن كُنتُم بآياته مؤمنين) [الأنعام: 118]. وهكذا تتنوّع الآيات التي تتحدّث عن ذكر اللّه وعن الذاكرين للّه، في ما يمثّله ذلك من قيمةٍ روحيةٍ كبيرةٍ تتصل بالمستوى الإيماني للإنسان المسلم، وبالدرجة الرفيعة التي يحصل عليها عند اللّه -سبحانه وتعالى".
(من وحي القرآن لحسين فضل الله)
تفسير الشعراوي
— أ. أحمد حمدين